أفكار متقاطعة

إبراهيم الجبين يكتب عن :جبال الفضة القاتلة

28471184_10156167023642288_571236688451481962_n
بقلم نبض شرقي

 

بحلول العام 1500 كان عدد سكان العالم حسب الوثائق الأوروبية ذاتها قد بلغ 400 مليون إنسان. وكان يسكن في أميركا الشمالية والجنوبية حينها 80 مليونا من مجمل تعداد سكان العالم. لكن عندما جاءت سنة 1550 فوجئت البشرية بأن عدد سكان كوكب الأرض قد نقص ولم يزدد.

ما الذي حدث؟ انخفض عدد سكان الأميركيتين إلى 10 ملايين إنسان. في المكسيك وحدها كان 60 مليونا يعيشون على تلك الأرض القديمة، وعندما حلّ العام 1600 كان المكسيكيون قد صاروا مليونا واحدا فقط.

لا تكفي الإبادة الاستعمارية وحدها لتفسّر ذلك. ولا يكفي التفسير الطبي الذي أكد أن هؤلاء السكان الأصليين إنما ضربتهم عواصف فيروسية جديدة عليهم، جلبها المستوطنون معهم عبر الأطلسي، كالحصبة والجدري والإنفلونزا وغيرها.

ما الذي حدث إذن؟

تطور علمي واحد حصل بمختبرات العلماء الأوروبيين آنذاك، كان هو السبب. تمثل باكتشاف إمكانية خلط الزئبق بالمعادن الأخرى للحصول على معادن أكثر نقاء، ومن لحظتها أخذت 270 ألف كيلوغرام من الفضة، تتدفق سنويا على موانئ أوروبا، خاصة بعد اكتشاف جبل الفضة في بوتوسي في بوليفيا، علاوة على ألفي كيلوغرام من الذهب الخالص. كانت كلها تصل من الأميركيتين.

لم تكن تلك الأرقام تعني مجرد سرقة ثروات تلك البلاد. لكنّ نظاما كاملا من الحياة كان قد فرض على السكان الأصليين الذين كانت علاقتهم مع الطبيعة والأشياء من حولهم قد استقرت عبر الآلاف من السنين؛ النظام الغذائي، الضجيج، اللغات ونبراتها، الأخلاق، لون السماء وصوت مياه النهر، وكل تلك التفاصيل التي اختلّت بقدوم الكائنات التي سمّيت بـ”البيض”.

وربما يعتقد البعض، وهو يقرأ هذه السطور، أن المشكلة كانت رفض السكان للتنمية، وأنه توجّب إجبارهم على اتباع النظام الأوروبي للحياة لأنه الأكثر حداثة. لكن هذا لم يكن حلاّ، لأن الوحدة الأساسية للنظام؛ أي الإنسان، لم تكن تنتمي لتلك الحداثة القسرية “الغامضة”.

الأمر ذاته ينطبق علينا في العالم العربي، فقد شكلته أزمنة توّجها القرن العشرون، وفيه رسم لنا الغرب “الحديث” شرقا شبيها بالقارتين الأميركيتين في تلك العهود الغابرة. يعجز الإنسان فيه عن الظفر بتلك الحداثة المزعومة، وحين يعثر على بصيص أمل، يسارع “البيض” إلى سكب سيول من المياه على ذلك البصيص كي ينطفئ.

لولا ذلك لما كنا رأينا بلدا غنيا كالعراق، على سبيل المثال، يعاني الناس فيه من الحاجة إلى المياه العذبة والكهرباء، ومن يعتقد أن الفساد وحده هو السبب، إنما يضع نفسه في مقام السذّج والبلهاء. فالهدف أن يكون الملايين من العرب حميرا تنقل على ظهورها، تلك السبائك الثقيلة من جبال الفضة القاتلة التي لدينا.

 إبراهيم الجبين

جريدة العرب اللندنية