أفكار متقاطعة

إبراهيم الجبين يكتب عن : ترانسكريبوس

28471184_10156167023642288_571236688451481962_n
بقلم نبض شرقي

 

لم تكد كوكب الشرق تنهي وصلتها الطربية، متممة قول الهادي آدم “هذه الدنيا كتابٌ أنت فيه الفِكَرُ/ هذه الدنيا ليال أنت فيها العمُرُ/ هذه الدنيا عيونٌ أنت فيها البصَرُ/ هذه الدنيا سماءٌ أنت فيها القمرُ/ فارحم القلب الذي يصبو إليكْ”، حتى نهض رجل ضخم من بين الجمهور المتحمس وهتف بأم كلثوم قائلا “يا جاموس المَغْنى”. فصمتت القاعة. انتبهت أم كلثوم وغضبت وكادت أن تشتمه من على خشبة المسرح، لولا أن همس في أذنها عازف الإيقاع حسن أنور قائلا: هذا الرجل من إحدى قرى الجنوب المصري، وهم يستخدمون حرف الجيم بدل القاف، ويقصد بكلمة جاموس “قاموس”. فضحكت الست وردت عليه على الفور: وفين “العجول” اللي بتفهم؟

وإلى البعيد عن زمن الأبيض والأسود ورومنسيته، عثرتُ مؤخرا على موقع إلكتروني مذهل يقدم لك أحدث الإحصاءات حول العالم حتى اللحظة التي أنت فيها الآن، لكن هذه المرة بشكل موثق المصادر. فيعطيك مثلا، حتى تاريخ كتابة هذه السطور، أن عدد الكتب الصادرة هذا العام 2190351 كتابا جديدا. أما ما تم إنفاقه على ألعاب الفيديو، اليوم، فقط فهو 119892473 دولارا. بالطبع معلومات الإنفاق العسكري والترفيه وانبعاث ثاني أكسيد الكربون هذا العام وغيرها، لا يمكننا كتابة أرقامها هنا فلن تتسع لها الصفحة.

ومن بين ذلك العداد المتسارع للأرقام، تصلنا أخبار مبهجة عن مشروع جديد أطلقوا عليه اسم “اقرأ” أو “ريد”، رأى النور في فيينا، قبل أيام، بإشراف الأكاديمي غونتر مولبيرغر الباحث في التحوّل الرقمي في جامعة إنسبروك النمساوية. أحدث ما ابتكره علماء “اقرأ” تقنية سموها “ترانسكريبوس” يصفها مولبيرغر بالقول إنها “مزيج من التقنيات البسيطة والمعقدة. الترانسكريبوس نوع من التطبيقات يمكن أن يحمّل الصور وينقلها إلى خادم ينجز عملية التعرف على النص المكتوب باليد. ويكفي أن أُعطي الكمبيوتر صورة وجزءا من النص مناسبا لها. ليتعلم الكمبيوتر تماما ما كتب باليد بالخطوط المماثلة، باستخدام الخوارزميات. ثم بعد قليل، يُنهي الكمبيوتر عمله بنفسه بدقة تتجاوز 95 بالمئة، بغض النظر عن لغة الوثائق أو طريقة كتابتها”.

ترانسكريبوس” نظام مصمم من أجل البحث في المعرفة. وقد تم تجريبه خلال الأيام الماضية، لنسخ الصفحات الخمسمئة لكتاب “البطل” الذي كُتِب بطلب من الإمبراطور ماكسيميليان الأول بداية القرن السادس عشر.

وسط عالم متحرك متطور بسرعة هائلة، تقول إمكاناتنا الفكرية الحالية، نحن العرب، إننا نأتي من مكان بعيد، ولذلك سنستغرق زمنا طويلا من أجل إدراك ما سبق وأن قيل لنا في ليلة من ليالي الحجاز العربي قبل ألف ونصف الألف من السنين “اقرأ”.

لا أحد يقرأ. دعوا الترانسكريبوس يفعل على الأقل من أجل المستقبل، يا “عجول” المعرفة العربية و”جواميسها” الكرام.

إبراهيم الجبين

جريدة العرب اللندنية