أفكار متقاطعة

إبراهيم الجبين يكتب عن : أيام فورهات وثيسيوس

28471184_10156167023642288_571236688451481962_n
بقلم نبض شرقي

 

يسيطر على تفكيري في هذه الأيام مثال منطقي لا يستعمله العرب إطلاقاً. لعلهم ظنوا أنه بات عتيقا للغاية، مع أن الحاجة ماسّة إليه في كل حين. إنه مثال “سفينة ثيسيوس” الذهني. حيث يُطلب منك أن تتخيّل “سفينة ثيسيوس” التي تتكوّن من “ألف” قطعة خشبية، في كل عام يتم استبدال واحدة منها. وبعد مرور “ألف” عام، هل ستكون السفينة هي “سفينة ثيسيوس” ذاتها، رغم أن جميع القطع قد تم استبدالها؟

وعلى البر. ليس المهم في ما حققه العلماء مؤخراً من فتح غير مسبوق، ابتكارُهم لإنسان آلي منحوه اسم “فورهات”، وقالوا عنه إنه “قادر على إدارة رأسه والابتسام، ويشجع الناس على فتح قلوبهم أمامه”. المهمُّ حقاً، هو أولئك البشر الذين تدربوا خلال العشريات الأخيرة، على التصرف كرجال آليين، واحدهم “غير قادر على إدارة رأسه والابتسام، ولا يشجع الناس على فتح قلوبهم أمامه”. أي بمعنى آخر هم حالة نقيضة لفورهات تماماً.

في مطار فرانكفورت يُستخدم فورهات، اليوم، كمضيف ينطق بلغات عديدة لمساعدة المسافرين على الوصول إلى وجهتهم، ولتدريب الطواقم على خدمة العملاء بلعب دور “زبائن غاضبين” على سبيل المثال.

وفي ستوكهولم يعيش رجل آلي آخر، كشفت عنه شركة العلوم والتكنولوجيا ميرك وفورهات روبوتيكس، يسأل الناس عن صحتهم ويومياتهم، ويفحص نسب السكر في دمائهم، ويقيس درجة إدمان الكحول أو قصور الغدة الدرقية وغيرها.

وهكذا يبدو التفاعل على أشده في هذه الأيام، ما بين الموجودات، وربما لم يعد ممكناً الاكتفاء بالقول “الكائنات” باعتبار أن الأشياء صارت تتفاعل أيضاً.

العلم يقول إن التفاعل الكيميائي، على سبيل المثال، هو أي تغيّر يحدث على مادة ما مؤدياً إلى تغييرها وإنتاج مادة من نوع جديد. ولكن التفاعل ما بين البشر لا يفعل هذا. فالناس تريد أن تتفاعل من دون أن يحدث هذا أيَّ تغيّر يذكر لديها، ومن دون أن تطرأ عليها أي تطورات إثر ذلك التفاعل. وهذا غير ممكن وغير علمي ولا يمكن أن يحدث.

غير أن مشكلة البشر أنهم يتسلحون بترسانة لغوية قادرة على إنكار أي حقيقة. ليس هذا فقط، بل على إيهام الآخرين، بواسطة الكلمات وحسب، بقصص أخرى على أنها هي الحقيقة. لكن هذا لا يدوم، فالتغيّر حتميٌّ وواقعٌ لا رَيبَ فيه.

لكن بعد ألف تغيير وألف عام؛ لن نفكر في السفينة، ولا بالترسانة اللغوية. سنترقب فقط ما إذا كان ثيسيوس سيبقى ثيسيوس وما إذا كان فورهات سيبقى فورهات، أم لا؟

إبراهيم الجبين

جريدة العرب اللندنية