مدونات-جرائد

عين الشرق ” “إبراهيم الجبين” … شغفٌ أم فَرْطُ اسْتِذْكار ؟

438
بقلم نبض شرقي

بقلم :نزار غالب فليحان

 

على الرغم من اكتظاظ “عين الشرق” بالحكايات ، إلا أنه – و للوهلة الأولى – قد يلتبس أمر تصنيف النص كعمل روائي على من يشرع في قراءته ، لعل مرد الالتباس يكمن في تاريخية الحكايات و انتمائها للواقع المعاش ، ما قد يحيل النص إلى الوثيقة ربما ، و شخصانية محور أساسي في النص ، ما قد يجنح به نحو السيرة الذاتية ، و وضوح الانحياز المبدئي للكاتب إلى صفوف الشعب في مواجهة سلطة قمعية ، ما قد يجعل من النص تعبيراً واضحاً عن موقف ضدي .

لكن الكاتب في ذات الوقت لم يترك مجالاً للحيرة و اللبس من خلال نسج متقن لكل تلك الحكايات عبر تخصيص مساحات لكل حكاية تمتد من بداية النص حتى نهايته في عرض أقرب إلى السينمائي جعل من التوثيق و السيرة الذاتية و اللاحيادية عناصر قوة في النص .

في “عين الشرق” ينطلق إبراهيم الجبين من فكرة ضحالة قيمة الإبداع أمام المشهد الحقيقي المعاش ، لكنه يحاول أن يقنعنا بذات الوقت – و من وجهة نظره – أن كل إبداع قبل العام 2011 ساهم في اللحظة التي أعلنت أن ما بعد العام 2011 لا يشبه ما قبله .

يعرض إبراهيم الجبين حكايا الوطن على شكل مشاهد يشرع في عرض أحدها حتى يصل به إلى لحظة فارقة فيقطعه ليشرع في عرض مشهد آخر ، و كأنك أمام كاميرا و مخرج يتفنن في جذبك و إغراقك في ترقب يزيد متعة القراءة و التشويق ، و تأتلف هذه الحكايا من خلال الرابط الروحي الذي جمعها و من خلال دفء الأمكنة و روائح المدن التي تكاد تتلمس تفاصيلها بين حروف الرواية .

تغص الرواية بالأسماء و القصص و الأمكنة ، كلها حقيقية غير متخيلة عرضها الكاتب في معظمها بأسمائها و تواريخها و أمكنتها التي نعرفها جميعاً ، رماها الكاتب أمام عيوننا ليس فقط لكي ينجز عملاً روائياً ينسب إليه و يقربه أكثر من القارئ و يعزز تجربته الإبداعية ، بل لكي يرسم إشارات استفهام مُلِحَّة و عميقة بعد كل مشهد ، إشارات استفهام تفتح أمامنا آفاقاً عريضة للبحث و الاستقصاء و المعرفة .

يسرد إبراهيم الجبين عبر مشاهده قصة الرسام ناجي القادم من دير الزور إلى دمشق و الذي دأب على الاحتفاظ بتفاصيل البلاد من خلال قصاصات أوراق قبل أن ترمى في سلال المهملات أثناء خدمته في الشعبة الثانية ( مخابرات ) في خمسينيات القرن العشرين ، ناجي الرسام الذي أطلق النار على معارضين سوريين كثر تنفيذاً لأحكام إعدام صدرت من الشعبة ، و لعل أكثر قصاصات ناجي لفتاً للنظر ما يشير إلى أن الشاعر أدونيس كان يعمل في ذات الشعبة ، و قصة أبو القعقاع المتطرف الذي اغتيل العام 2007 ، و قصة إخاد اليهودي الذي هاجر إلى أميركا ثم عاد إلى دمشق مع اندلاع الثورة السورية العام 20 11 باحثاً عن آثار يهودية ، و قصة الحلاق البديري مؤرخ الشام ، و المحامي هائل اليوسفي الذي يقع مكتبه فوق ملهى الكروان و الذي عرض على الكاتب نص القصة الحقيقية للجاسوس الإسرائيلي ( كوهين ) للإعداد لفيلم سينمائي ، و الشاعر الكردي سليم بركات ، و المغنية فيروز ماميش اليهودية ، و اليهودي الياهو ساسون الذي أسس أول جريدة سورية تنشر الفكر القومي العربي ( جريدة الحياة ) ، و قصص من شارع الأدب و الفن و الصحافة لشخصيات بأسماء مستعارة و أخرى حقيقية ، و لعل أكثرها حميمية علاقته بالشاعر العراقي مظفر النواب ، و قصص أخرى عن شخصيات عديدة ، لكن شخصيات مثل ابن تيمية و ابن عربي و عبد القادر الجزائري شكلت محاور رئيسية و اتسعت مساحات مشاهدها ربما لاتساع دائرة الجدل حولها – من جهة أولى – و لمدى تأثيرها سواء في محيطها حين كانت أو بمريديها و جمهورها و تابعيها بعد رحيلها – من جهة ثانية – ، و كذلك يفرد إبراهيم الجبين في روايته مشاهد متخيَّلة للساعات الأخيرة في حياة رئيس البلاد .

مشاهد “عين الشرق” تتجاوز السرد و الحوار و التوثيق لتلعب دوراً حيوياً مؤثراً من خلال إطلاع القارئ على ما لم يكن على دراية به – ربما – ، أو دفعه باتجاه إعادة قراءة ما كان يعرفه من ناحية ثانية ، دوراً حيوياً مؤثراً إذْ تحرض القارئ على إدراك أهمية تفاصيل المكان و مفاصل الزمان ، حدَّ إصابته – أعني القارئ – بعدوى فرط استذكار التفاصيل “الهايبرثيميسيا” المصطلح الذي حرص الكاتب على ذكره كعنوان تفصيلي للرواية .

عين الشرق” رواية تبدأ كي لا تنتهي ، ذاكرة الحجر و البشر ، عرض خرائط نسب ، رصد وثائق قديمة ، رسم لوحة للمكون الاجتماعي السوري ، تشريح لأمزجة السوريين و الدمشقيين على وجه الخصوص ، نبشٌ في تفاصيل دمشق ، قراءة في كل ملمح من ملامحها من قاسيونها حتى شواهد قبور أهليها ، جدلٌ بين اسْتذكار مفرط للتفاصيل و شغف لا حدود له بالمكان و الأرواح التي تسكنه فوق الأرض و تحتها على حد سواء .

و لعلك بعد أن تسدل الستار على “عين الشرق” ستفكر أول ما تفكر في قراءتها ثانية ، و إذا ما فرغت من قراءتها ، لا بد سوف تحيي ذاكرتك أو تسعى إلى ترميمها بتفاصيل إبراهيم الجبين أو ربما تعيد بناءها من جديد ، لكن من أين تبدأ ؟ من أحياء دمشق الفقيرة ؟ أم من أحيائها المحدثة التي ضُرِبَتْ حولها طوقاً يخنقها ؟ أم من أبوابها ؟ أم من سور قلعتها ؟ أو ربما يدفعك شغفك بمقاهيها لتجعلها نقطة الانطلاق ؟

بعد أن فرغتُ من قراءة “عين الشرق” كان لزاماً عليَّ أن أقرأ “يوميات يهودي من دمشق” التي سبقتها بتسع سنوات ، أثناء قراءتي تلك شعرت بأن إبراهيم الجبين كان أثناء كتابته “يوميات يهودي من دمشق” يخط في مخيلته “عين الشرق” ، و قد انتهج في “يوميات يهودي من دمشق” طريقة العرض ذاتها في “عين الشرق” ، حيث جعل المكان بتفاصيله مسرحاً للنص و بطلاً له ، في حين جعل من الشخوص – أبطال حكاياته – عاملاً مكملاً و ربما العامل الضرورة لبناء البيئة السردية و الحوارية للنص ، و كأن ” يوميات يهودي من دمشق” فصلٌ في “عين الشرق” أو ربما “عين الشرق” هي “يوميات يهودي من دمشق” حيت اكتملت .

أنهى إبراهيم الجبين روايته “يوميات يهودي من دمشق” بالجملة التالية : ( لم تنتهِ اليوميات و لكنَّ تدوينها النهائي يكتمل الآن في مكان آخر ) ، فكانت “عين الشرق” .

موقع ألف