أفكار متقاطعة

إبراهيم الجبين يكتب : بوردا التي لا ينساها أحد

28471184_10156167023642288_571236688451481962_n
بقلم نبض شرقي

 

ربما لم يخل بيت من بيوت الشرق، خلال الـ68 سنة الماضية، من أعداد تلك المجلة المذهلة التي كانت تعكف عليها الصبايا والسيدات للبحث عن التصاميم المدهشة بين صفحاتها المرفقة بباترونات تخطيطية لتنفيذ أحدث الأزياء.

وخلال هذه الأيام الباردة، عرض أحد التلفزيونات الألمانية فيلما سينمائيًّا عن امرأة قررت ذات يوم أن تصنع الجمال. إنها الناشرة الراحلة آيني بوردا التي قامت، من خلال مجلتها، بتغيير مئات الملايين من الذهنيات حول العالم.

بعد سنوات الحرب العالمية الثانية، كان على الدنيا أن تعيد تركيب قيمها، وكان الشكل أحد أهم ظواهر العالم الجديد، وهو ما أدركته بوردا التي قال عنها الرئيس الألماني الأسبق هورست كولر إنها “علامة في تاريخ ألمانيا، وهي من النساء القليلات اللاتي أثّرن في تحقيق المعجزة الاقتصادية الألمانية بعد الحرب”.

كيف فعلت بوردا ذلك؟ ببساطة فكرت في تحويل الفن الرفيع إلى عادة شعبية، وبدلاً من الذهاب إلى الخياط صار بوسع أي امرأة أن تتحول إلى خياطة ومصممة أزياء ماهرة وهي في بيتها.

العالم اليوم يعيش أجواء تشبه تلك الأجواء؛ يحتاج إلى إعادة صياغة للقيم. صحيح أنه لم تندلع حرب كبرى كالحربين العالميتين، لكن الحروب المتشظية على خرائط الكوكب يمكنها أن تعادل 100 حرب مثلهما.

جاء الرد عبر التكنولوجيا والاتصالات. لكن هذا وحده لا يكفي، فالتغيير يصنعه التفكير الخلاق، وهو تفكير تخيّلي يختلف عن التفكير العادي المنطقي الذي لا ينفع للخروج من مراحل تاريخية صعبة، لأنه يفتقر إلى شيء أشار إليه المفكّر المالطي إدوارد دي بونو أستاذ علم التفكير والتفكير الإبداعي، الذي يعمل اليوم مستشارا لشركات عملاقة مثل كوكاكولا وإيركسون. كتب دي بونو إن التفكير الخلاق يتضمن “قفزات جانبية في الخيال أكثر من التقدم المستمر في السلسلة المنطقية للتفكير العادي”.

دي بونو هذا قدم للعالم، أيضاً، وصفة للتفكير جسّدها بست قبعات؛ القبعة الحمراء للتفكير العاطفي، القبعة السوداء للتفكير السلبي، القبعة الخضراء للتفكير الإبداعي، القبعة البيضاء للتفكير الحيادي، القبعة الصفراء للتفكير الإيجابي، والقبعة الزرقاء للتفكير الموجّه. وأنت حين تفكّر في موضوع ما، تكون معتمرًا واحدةً من تلك القبعات.

كم هو واسع ومتألق هذا العالم بعقول مثل عقلي دي بونو وآيني بوردا التي كان آخر احتفال ظهرت فيه عيد ميلادها السادس والتسعين، يومها قالت بوردا “سأكشف لكم عن سرّي؛ أعتقد أن العمل الذي تقوم به بحماس، هو مفتاح العمر الطويل”.

إبراهيم الجبين 

جريدة العرب اللندنية