أفكار متقاطعة

 {قطار صلاح الدين من دمشق مروراً بدمشق و الى دمشق}

62
بقلم نبض شرقي

 

ها قد وضعتْ الحربُ أوزارها و الوقت لزيارة سيدة الكون بعد ثماني سنوات من الانتطار قد حانْ (قال لي صديقي في بلاد الصقيع ). قلت له: لماذا دمشق ؟. قال: منذ طفولتي المبكرة و والدي ( أستاذ التاريخ) يحدثني عنها و لي خريطةٌ قد ورثتها عنه و هي مدفونة في صندوقي الخشبي منذ عقود، و ها قد جاء اليوم الذي أحقق فيه حلمي و حلم والدي بزيارة آثارها و اسوارها و ابوابها و شم عبق التاريخ. قلت له: لك ما تريد، فهي قبلك رغبتي و غداً ستكون وجهتنا المطار. بعد الوصول و في صبيحة اليوم التالي هممنا بالتجوال و التطواف و كانت أولى وجهتنا سوق الحميدية و من بعده بقية الشام،بعد السوق لمحتُ محطةٍ **محدثةٍ للقطار** بجانب القلعة و قد حمّلوها أسم صلاح الدين، قلت في نفسي لتكن هذه محطة الإقلاع و حسبي أن في الطريق محطات للنزول و الصعود عند كل متحف و سُور و باب. جلس صديقي الودود بجانب النافذة علّه يشبع نظره من المنظر و الأحلام. بُعيدَ الإقلاع ارتفع صوت الميكرفون و إذ بصاحبه يبدأ بعد البسملة بالقول: محطة الإقلاع هي نفسها محطة الوصول ، فلا محطات للوقوف أو الصعود و النزول فزيارة الأسوار و الأبواب و المتاحف ما هي الاَّ عبادةٌ للأصنام و ما هي الاَّ من تقاليد الكفار. و لكن في قطارنا كل وسائل الراحة من تكييف و أجهزة أتصال و حتى جهاز التلفاز و كل ما أخترعه الكفار ،و تستطيعون نقل القنوات و إختيار ما تشاؤون من شيوخ عبدالستار، فلا أقنية للعلم ولا للطقس ف العلم و تقلب الطقس لا يعلمه الا الله ويكفي ما لدينا من علمٍ و شيوخٍ و علماءْ. صمت صاحبي الودود و بدأ يحدق عبر نافذته في الشوارع و الميادين المزينة جدرانها بأسماء الحجاج و القعقاع و عقبة وبن العاص. نظرت الى صاحبي بعد أن ادركتُ أنّا غير لاحقَينِ بقيصرِ ، بكل ِخجلٍ حدقتُ به و إذ بالعَرَقْ يتصبب منه ممزوجاً ب الذهول و الشرود الذين يقطران من عينيه حيث اتعبتهما شدة التنقل بين خارطة والده و ما تراه عبر الوافذه عيناه. بعد أن اسدل الستارة و صمتٍ دامَ دهر قطع حبله بالقول: هل استطيع التكلم معك بلغة بلاد الصقيع كي لا يفهمنا أحد؟. قلتُ: نعم. قال : سوق الحميدية بناه أهل الشام و ها هم قد زيّنوا مدخله بإسم عبدالحميد الجزار، و ما القلعة الاَّ من بقايا الآشوريين الآراميين السريان و من بعدها الرومان، و هذا الحصان مرفوعة قدميه الأماميتين للأمام كمنْ قُتِلَ ممتطيه في ساحة المعركة ، و هو لم يَقْتُل أكثر من أهل مصر الاَّ من أهل الشام و لم يَمُتْ الاَّ من أكل اللحوم وكل أنواع البهار و حريم السلطان. تابع القول : لم أرَ شارع أو ميدان بأسم سومر وأكاد و آشور و لا ميدان ب أسم شاميرام أو كركللا أو فيليب السوري و لا حتى أسمٌ لأصحاب الشام السريان .قلت له كفى فأنت لا تعلم شيئاً عن عبدالستار ، ف مدير المحطة يريد تسوية السكة الى الأمام و يجعل أمام كل سور و متحف و ولي محطةٍ للنزول و الصعود و حسب رغبة الزوار، و لكن سائق القطار بدائرة سكتهِ يعمل دون تعب أو عناء وهو يأخذ أوامره * دون معرفة قائد المحطة * من قائد القطار عبد الستار. و هنا خفض صديقي صوته كمن يشفق علي و منهياً كلامي بالقول : اليوم ادركتُ و أيقنتُ أن طائر السنونو لا يغادر عشه حباً بالرحيل و الترحال أو طلباً لمزيد من الرزق بل ساعياًً وراء دفىء الشمس، قاطعته بالسؤال : ماذا أنتَ بخارطتك بالغد فاعل؟، قال : الغدُ وجهتنا المطار و بعد غدٍ مصيرها أتون موقدي، فلا يليق بكتب التاريخ التمزيق بل النار ، و هذا تكريماً لروح والدي علّه يرقد بعد كل هذا التعب بسلام.

 د جان عبدي