ملاعب

ألكسندر تشيفرين زعيم من شرق القارة العجوز يواصل تسميم آبار اللعبة

11213-page-012

 

 ** ملكون ملكون

برز اسم ألكسندر تشيفرين رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم مجددا هذا الشهر، حين اعترض، بشكل غامض وغير مبرر، على فكرة تنظيم نهائيات كأس العالم 2030، بالاشتراك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال، كما صرح في مؤتمر صحافي عقده في مدينة دبلن الأيرلندية.

وكان بيدرو سانشيز رئيس الوزراء الإسباني قد قدم مقترحا إلى نظيره المغربي سعدالدين العثماني بشأن إمكانية التقدم بطلب تنظيم مشترك لنهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2030 بالاشتراك مع البرتغال. فالمملكة المغربية تتطلع إلى تنظيم كأس العالم 2030، بعد خسارتها أمام الثلاثي الولايات المتحدة الأميركية وكندا والمكسيك، في استضافة مونديال 2026، لكن تشيفرين يقف في وجه رغبة البلد العربي.

ومنذ أن تحولت كرة القدم من اللعبة الشعبية الأولى في العالم تمنح الفرح للبسطاء وتزيل همومهم اليومية، إلى سوق للبورصة الكروية وإلى مشروع اقتصادي لا يأبه لرومانسية اللعبة، بل يهدف إلى المزيد من الأرباح، والمناصب الكبيرة في الاتحاد الدولي لكرة القدم والاتحاد الأوروبي لكرة القدم تعطى حصرا لمن يوافق على استكمال مسيرة اغتيال براءة الكرة. وما فضائح الفساد والرشاوى سوى جزء صغير من مشهد كبير وخفي لكواليس اللعبة.

ولعل سكان قارة كرة القدم عاشوا لحظات تفاؤل وهم يشهدون تنصيب هذا المحامي السلوفيني تشيفرين رئيسا للاتحاد الأوروبي لكرة القدم. ولكن على ما يبدو فإن للحكاية تفاصيل وجزئيات تعيد من تفاءلوا إلى أرض الواقع.

تشيفرين الذي يبلغ من العمر 51 عاما درس الحقوق في جامعة لوبليانا، واختص بقضايا الرياضيين المحترفين والأندية الرياضية في بلده سلوفينيا. لكنه لم يمارس كرة القدم، ومع هذا فقد أصبح رئيسا للاتحاد السلوفيني لكرة القدم عام 2011. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه يشبه في ذلك البرازيلي جواو هافيلانج الذي كان لاعب سباحة وترأس الاتحاد البرازيلي والدولي لكرة القدم، وخلفه السويسري سيب بلاتر الذي كان لاعب هوكي على الجليد وترأس الاتحاد الدولي لكرة القدم. وكذلك السويدي لينارت يوهانسون الذي حكم كرة القدم الأوروبية في أطول فترة لرئاسة الاتحاد الأوروبي، وهو الذي لم يمارس اللعبة على الإطلاق، ولا يخفى على أحد ما فعله هؤلاء الثلاثة من فساد في عالم كرة القدم.

طريقة تسلق تشيفرين للمناصب القيادية الرياضية تفسرها بداياته، فقد تم انتخابه رئيسا للاتحاد السلوفيني لكرة القدم بعد انتخابات فاحت منها رائحة المكائد السياسية، ما حدا بالمرشح المنافس توغو فراغمان للانسحاب، مشيرا إلى حملة قذرة من تشيفرين وشبكته القوية، وحسب قواعد ولوائح الاتحاد السلوفيني فإن وجود تشيفرين كعضو في عدة أندية كروية لا يؤهله لرئاسة الاتحاد، بل يجب أن يكون عضوا في مجلس الإدارة لمدة لا تقل عن خمس سنوات، ورغم الوثائق التي قدمها تشيفرين، إلا أن اللوائح بقيت غير منطبقة عليه، ومع ذلك فاز بمنصب رئيس الاتحاد، ليبدأ رحلته القيادية بمخالفة اللوائح والقواعد القانونية.

إعادة ترتيب البيت

في عام 2016 وبعد فضيحة الفساد التي ضربت الاتحاد الدولي في مقتل واتهام وإقالة بلاتر، وميشيل بلاتيني الذي كان رئيسا للاتحاد الأوروبي، وسجن خلفه الإسباني أنخيل ماريا فيلار، كان لا بد من إعادة ترتيب البيت الكروي المتداعي بوجوه شابة وجديدة إلى حد ما. فترأس جياني أنفانتينو رئاسة الاتحاد الدولي، وتشيفرين رئاسة الاتحاد الأوروبي، بطريقة فاجأت الجميع، وأذعنت أوروبا الشمالية والغربية لضغوطات فضائحها وفسادها وتخلت عن احتكار رئاسة الاتحاد منذ تأسيسه وتنازلت لأوروبا الشرقية عن هذا المنصب.

تعاقب على رئاسة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم ثمانية رؤساء؛ الدانماركي إيبي شفارتز والسويسري غوستاف فيدركر والمجري ساندور بارسيس والإيطالي أرتيمو فرانكي والفرنسي جاك جورج والسويدي لينارت يوهانسون والفرنسي بلاتيني والإسباني فيلار.

ونلاحظ أن المجري ساندور بارسيس هو الوحيد من أوروبا الشرقية الذي استطاع بلوغ هذا المنصب، ولكن المفاجأة تزول عندما نعرف أنه عيّن بشكل مؤقت ولفترة انتقالية لمدة 251 يوما ما بين يوليو 1972 ومارس 1973 بعد وفاة الرئيس فرانكي، ولم تشفع له إنجازاته كصحافي رياضي ومؤسس بطولة كأس الكؤوس الأوروبية وعمله في الاتحاد الأوروبي بعدة مناصب مهمة، كل ذلك لم يشفع له ليكون رئيسا للاتحاد لأن المقعد محجوز لكبار القارة وأثريائها.

لذلك فإن تشيفرين يعتبر الرئيس الأول للاتحاد الأوروبي من شرق القارة العجوز، ولكن ذلك لم يكن بريئا للأسف فرائحة الفساد التي زكمت الأنوف وطالت بلاتيني وفيلار دفعت كبار القارة إلى البحث عن وجه جديد لم يتلوث بعد، ولكن ضمن شروط وأجندات ومطبات وثغرات وضعوها أمامه في مساومة واضحة، وقبلها تشيفرين بكل طيب خاطر.

 

اتحادات شرق أوروبا والاتحادات الصغيرة تم توجيهها للتصويت له مقابل مكاسب مالية من بطولات تستنزف اللاعبين والمنتخبات وتدر الملايين، واتحادات شمال أوروبا ساومته على التصويت لصالحه مقابل وجود السويدي كارل إريك نيلسون بمنصب النائب الأول له، فيما كانت دول غرب أوروبا تطالبه بإطلاق مسابقة دوري الأمم الأوروبية عام 2018 كما هو مقرر، وألّا يعرقل انطلاقتها لترضى الاتحادات وأصحاب حقوق النقل التلفزيوني والتسويق الإعلاني. ففاز بـ42 صوتا مقابل 13 صوتا لمنافسه الهولندي مايكل فان براخ.

أعلن تشيفرين الحرب على الفساد منذ البداية بتصريحات نارية، مؤكدا أنه سيقاتل بكل ما أوتي من قوة لاستعادة التوازن في الكرة الأوروبية. لكنه في المقابل لا يتعهد بإعادة الأيام التي كان بوسع الفرق المنتمية إلى دول أوروبا الشرقية فيها أن تحلم بالفوز بدوري أبطال أوروبا. لأنه يدرك تماما أن كرة القدم الأوروبية على صعيد الأندية أصبحت خاضعة بشكل متزايد لسيطرة مجموعة صغيرة من أندية الصفوة، وشهدت مباريات محبطة من جانب واحد في المواسم الأخيرة.

لذلك يقول تشيفرين “يجب أن تكون لدينا الجرأة لإعادة النظر في النماذج التي لدينا، خاصة في ما يتعلق بالوصول إلى توازن تنافسي أكبر. وهذا واحد من أكبر التحديات التي تواجه مستقبل كرة القدم وحاضرها، لا تزال منافسات الأندية بحاجة إلى المزيد من الانتباه الجاد. يجب أن نحلم بشكل أكبر، لكنني لا أعدكم بالوصول إلى القمر لأنني لست تاجر الأحلام ولست سياسيا”. ويتابع بنبرة متحدية “سأقاتل بكل ما أوتيت من قوة للبدء في إجراءات تعيد بعض التوازن، لكنه ليس بوسعي الادعاء أنها ستؤدي إلى حفر أسماء أندية مثل ستيوا بوخارست أو رد ستار بلغراد على جائزة دوري أبطال أوروبا”. وكان الفريقان قد نالا لقب كأس أوروبا في 1986 و1991 على الترتيب.

وفي الوقت ذاته يغمز تشيفرين من القناة الاقتصادية التي تحكم كرة القدم فأعلن زيادة المكافآت المالية للفرق المشاركة في بطولة أوروبا 2020، وسيحصل كل منتخب من الـ24 المشاركة على 9.25 ملايين يورو، إضافة إلى 1.5 مليون يورو عن كل انتصار و750 ألف يورو عن التعادل. ويحصل كل متأهل للدور ثمن النهائي على مليوني يورو، وتزيد المكافأة إلى 3.25 ملايين في دور الثمانية، وخمسة ملايين في الدور قبل النهائي. ويتسلم الفائز باللقب عشرة ملايين يورو مقابل سبعة ملايين للوصيف.

خيول مرهقة

تصريحات تشيفرين الوردية لم تصمد كثيرا، فبعد عام من انتخابه كشفت الصحافة الأوروبية المستقلة تغاضيه عن فضيحة ضربت مونديال روسيا 2018 قبل انطلاقه بعام واحد، فبصفته رئيسا للاتحاد الأوروبي ورئيسا للجنة تنظيم المسابقات في الاتحاد الدولي لكرة القدم، إذ نفى وجود عمال كوريين شماليين عملوا في بناء الملاعب في روسيا وعاشوا ظروفا إنسانية مروعة، وأنهم وفروا لبلادهم دخلا سنويا يصل إلى ملياري دولار حسب الأمم المتحدة، بينما تعتقد منظمات دولية أخرى أن المبلغ الإجمالي أعلى بكثير، وأن هذه الأموال تساعد كوريا الشمالية في تمويل برنامجها للأسلحة النووية.

والغريب أن تشيفرين عندما واجهته الصحافة بذلك أنكر أنه رئيس اللجنة وزعم أنه لا يعرف أي شيء عن أي عامل من كوريا الشمالية في روسيا. لكن الاتحاد الدولي لكرة القدم كشف كذب تشيفرين وأكد أنه رئيس لجنة تنظيم المسابقات، لكنه لم يتعرض للمساءلة لأن المطلوب منه أكبر من ذلك.

لإرضاء شركات النقل التلفزيوني وأباطرة الحقوق الحصرية أطلق الاتحاد الأوروبي برئاسة تشيفرين بطولة دوري الأمم الأوروبية لمباريات كثيفة لا طائل منها في عز الموسم الكروي في أوروبا، بهدف زيادة المداخيل والأرباح. فكان اللاعبون والأندية هم الضحية، فاللاعبون تحولوا إلى خيول مرهقة، حائرين بين ولائهم لمنتخبات بلادهم وحرصهم على أنديتهم ورواتبهم وعقودهم المغرية.

وبات اللاعب الأوروبي يخوض أكثر من 60 مباراة في الموسم، ولا أحد يأبه لتعبه وإرهاقه، وكلما زاد ركض النجوم على المستطيل الأخضر زادت الملايين في أرصدة تجار اللعبة، لتدفع الأندية الثمن باهظا عندما يصاب النجوم إصابات قاسية تبعدهم عن الملاعب في مبارياتهم مع منتخبات بلادهم.

وقد كان على تشيفرين أن يقف وحيدا في وجه عواصف الانتقاد من كل حدب وصوب لهذه البطولة التي كانت هي الفاتورة التي عليه دفعها ليضمن المزيد من الأصوات في طريقه لاعتلاء سدة الرئاسة.

 

مدرسة استثمار عريقة

لتشيفرين آباء وضعوا أسسا لهذا النوع من الاستثمار. أولهم كان البرازيلي جواو هافيلانغ هو بداية الحكاية لاغتيال رومانسية وبراءة كرة القدم وجعلها سلعة ليس إلا. هافيلانغ الذي توفي عن مئة عام، يعتبر الرجل الذي سمّم آبار كرة القدم منذ تصريحه الأول بعد تسيده للفيفا ”جئتُ لأبيعكم سلعة اسمها كرة القدم“، وفي طريقه إلى منصبه كان لاعب الألعاب المائية قد سحق منافسيه وبات عضوا باللجنة الأولمبية الدولية عام 1963.

وعندما فازت البرازيل بكأس العالم للمرة الثالثة عام 1970 كان هافيلانغ يضحك في سره لاستخدام ثلاثية الألقاب البرازيلية مفتاحا لأحقيته بالترشح والإطاحة بالسير ستانلي راوس من رئاسة الفيفا، وتابع انتهازيته فقدم وعودا لقارة أفريقيا، واللافت أنه صرح بعد فوزه بسنوات قائلا ”كنتُ أرى في عيون السير راوس اللامبالاة لأنه لم يعتبرني تهديدا له“.

الفوز بالمنصب كان مجرد بداية لهافيلانغ لأن مهمته الأساسية لم تكن قد بدأت بعد فكان هورست داسلر سليل إمبراطورية أديداس خطوته الأولى لعقود الرعاية والحقوق، حتى تمكن من أن يكون في الظل المحرك الأساسي لشركة “آي.أس.أل” التي هيمنت على مسابقات الفيفا تجاريا فكانت كرة القدم منجما من الذهب لها ولهافيلانج.

وتحولت الفيفا من مؤسسة تضم 11 موظفا عندما أتى هافيلانغ إلى واحدة من أقوى المؤسسات الاقتصادية في العالم. ومع السيطرة كان هافيلانغ يصرح بجرأة دائما ”أقبض على الفيفا بقبضة من حديد وقفاز من حديد“، لذا لم يفت في عضده الكتاب الفضائحي “كيف سرقوا اللعبة؟“، وبقيت كلمة السر لديه لمن حوله “الولاء” ولاشيء غير الولاء. لذا غادر الفيفا عام 1998 دون أن يهتز أمام الانتقادات.

أما تشيفرين فلم يتمكن من السيطرة على عمليات سحب القرعة في البطولة الأوروبية الأهم على مستوى الأندية “دوري أبطال أوروبا”. وبقيت الشكوك والاتهامات، وأحيانا الحقائق، تؤكد أن سحب القرعة للأدوار الإقصائية معروف نتيجته سلفا، وأن الشفافية غائبة عنها، فالكرات المغلقة التي يختارها النجوم لسحب اسم الفريق، تنقسم إلى كرات ساخنة وكرات باردة، يتم توجيه النجوم الذين سيسحبون القرعة لاختيار الباردة أو الساخنة حسب المقرر.

هذا ما كشفته أكثر من مرة الصحافة الأوروبية وأعلنت نتيجة القرعة قبل الأربع وعشرين ساعة من إجرائها، وآخرها الموسم الماضي عندما نُشرت صورة تجمع نجوم فرق الدور ربع النهائي، ومن سيواجه من، ومن سيشكل المربع الذهبي؟ لتبدو تصريحات أنفانتينو مجرد فقاعة صابون عندما يقول “إذا كان هناك أحد لا يزال يعتقد انه يمكن أن يصبح ثريا من كرة القدم أو يستطيع الإساءة لكرة القدم، فأنا أقول له اترك كرة القدم الآن نحن لا نريدك”. وكذلك الأمر مع غوغائية تصريحات تشيفرين الذي يقول “سأعمل باتجاه توفير الحماية والنزاهة لرياضتنا ومكافحة الفساد والتلاعب بنتائج المباريات والمنشطات وخلق مناخ آمن لجميع المرتبطين بكرة القدم. أريد أن يكون الاتحاد الأوروبي أفضل منظمة رياضية في العالم، وأن يكون مثالا تحتذي به جميع المؤسسات الرياضية، ولا زلت واثقا بقدرتي على تغيير الأجواء وتبني أفكار ومقترحات جديدة”.

هافيلانغ رحل وبلاتر غادر ومعه بلاتيني، وتشيفرين ورفاقه يواصلون عملهم. بينما لا تزال كرة القدم تنتظر من ينقذها ويعيد لها بريقها المَنسي.

 

جريدة العرب اللندنية